أثار مقال الرأي الذي نشره الكاتب وائل مهدي جدلًا واسعًا بعد ربطه بين توسع مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل وارتفاع الديون وتراجع قدرة الشباب على الزواج. ورغم أن المقال يستند إلى أرقام رسمية تتعلق بطلبات التنفيذ والقروض، فإن الاستنتاج الذي يخلص إليه يثير تساؤلات حول مدى دقته، إذ يقدم علاقة سببية لا تثبتها البيانات نفسها، ويتجاهل عوامل اقتصادية واجتماعية أكثر تأثيرًا في تنامي المديونية.
منذ البداية، يعتمد المقال على رقم 1.6 مليون طلب تنفيذ مالي خلال عام 2025 ليبني عليه فرضية مفادها أن المجتمع السعودي يعيش أزمة سببها تغير دور المرأة الاقتصادي. غير أن هذا الربط لا يثبت أن دخول المرأة إلى سوق العمل هو العامل الذي أدى إلى تضخم الديون، فارتفاع طلبات التنفيذ يعكس وجود مديونية مرتفعة، لكنه لا يحدد أسبابها، ولا هوية جميع المدينين، ولا طبيعة تلك الديون.
ويقع المقال في مغالطة تتمثل في الخلط بين التزامن والسببية؛ فكون مشاركة المرأة في سوق العمل ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، وارتفعت معها الديون، لا يعني أن الأولى هي سبب الثانية. فالاقتصاد السعودي شهد خلال الفترة نفسها تحولات جوهرية مست مختلف فئات المجتمع، رجالًا ونساءً، وأثرت بصورة مباشرة في القدرة الشرائية ومستوى الإنفاق والاقتراض.
ومن أبرز ما أغفله المقال الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت أسعار السكن والإيجارات، وزادت تكاليف النقل والخدمات، كما استمرت ضريبة القيمة المضافة عند 15%، وهو معدل يرفع تكلفة معظم السلع والخدمات اليومية. وفي ظل هذه الظروف، تلجأ كثير من الأسر إلى التمويل أو التقسيط لتغطية احتياجاتها الأساسية، ما يجعل ارتفاع المديونية نتيجة طبيعية لضغوط اقتصادية عامة، وليس نتيجة مباشرة لعمل المرأة.
كما تجاهل المقال الانتشار الواسع لخدمات الشراء الآن والدفع لاحقًا، مثل "تابي" و"تمارا"، التي غيرت نمط الاستهلاك بصورة كبيرة. فقد أصبح التقسيط متاحًا لمشتريات كانت تُدفع نقدًا في السابق، ولم يعد مقتصرًا على السيارات أو الأجهزة المنزلية، بل امتد إلى الملابس والإلكترونيات والمطاعم، بل وحتى بعض المواد الغذائية في حالات كثيرة. وقد أسهم هذا التحول في زيادة الاعتماد على الائتمان لدى الرجال والنساء على حد سواء، وأصبح جزءًا من الثقافة الاستهلاكية الحديثة، بغض النظر عن جنس المستهلك.
وفي المقابل، يتعامل المقال مع دخول المرأة إلى سوق العمل باعتباره عبئًا على الرجل، بينما يتجاهل أن وجود دخل ثانٍ في الأسرة أصبح بالنسبة إلى كثير من العائلات وسيلة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وليس سببًا في تفاقمها. ففي ظل ارتفاع الإيجارات وأسعار السلع والخدمات، أصبح دخل الزوجة في كثير من الحالات عنصرًا داعمًا لاستقرار الأسرة المالي.
كما يتجاهل المقال شريحة واسعة من النساء اللواتي يعملن لأنهن المسؤولات عن إعالة أسرهن، سواء كن مطلقات أو أرامل أو غير متزوجات يعُلن آباءً أو أمهات أو أبناءً. وبالتالي، فإن تصوير المرأة العاملة على أنها مستفيدة فقط من دخلها الشخصي لا يعكس الواقع الاجتماعي المتنوع داخل المملكة، فضلًا عن أن كثيرًا من النساء يشاركن بالفعل في تحمل نفقات الأسرة، وإن لم يكن ذلك التزامًا قانونيًا.
كذلك، فإن الاستشهاد بانخفاض بعض أنواع القروض وارتفاع أخرى لا يثبت صحة الاستنتاج الذي يقدمه الكاتب. فارتفاع قروض التعليم مثلًا قد يعكس التوسع في التعليم الجامعي والمهني، أو زيادة الإقبال على تطوير المهارات، أو تغير متطلبات سوق العمل، وليس بالضرورة أن الرجال يقترضون لأن الوظائف "تذهب إلى النساء"، وهي نتيجة لم يقدم المقال دليلًا إحصائيًا مباشرًا يدعمها.
ومن خلال طرحه لتعديل الإطار القانوني، واستشهاده بتجارب دول أعادت توزيع المسؤوليات المالية بين الزوجين، يبدو أن الكاتب يتبنى رؤية تدفع نحو استنساخ نموذج الأسرة السائد في عدد من المجتمعات الغربية، حيث تقوم العلاقة الزوجية على تقاسم الالتزامات المالية بصورة متساوية. ويأتي هذا الطرح بوصفه أحد الحلول لأزمة الديون، رغم أن المشكلة الاقتصادية أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بطبيعة العلاقة المالية بين الزوجين.
كما يحصر المقال أسباب ارتفاع المديونية في الإطار الأسري، بينما يتجاهل عوامل أكثر حضورًا وتأثيرًا، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة أسعار السكن والخدمات، وضريبة القيمة المضافة، وسهولة الحصول على التمويل، وانتشار خدمات الشراء الآن والدفع لاحقًا. وبذلك، ينتقل النقاش من البحث في الأسباب الاقتصادية الحقيقية إلى الدعوة لتغيير نموذج الأسرة والالتزامات المالية فيها، وهو طرح يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة استيراد نماذج اجتماعية من تجارب مختلفة لمعالجة تحديات اقتصادية محلية.