مقالات

مهندس الإفلاس: قصة طموح محمد بن سلمان الاقتصادي المدمر.

عزيزي القارئ، تخيّل دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومع ذلك تقرر أن تحول اقتصادها بين ليلة وضحاها إلى “دبي على الستيرويدات”، لكن بدون دبي الفعلية. 

هذا بالضبط ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عندما أطلق “رؤية 2030” في 2016، خطة تبدو على الورق كحلم يوتوبي: تنويع الاقتصاد، بناء مدن المستقبل، جذب الاستثمارات، وتحرير المجتمع. 

أما في الواقع، فهي سلسلة من القرارات الحمقاء المتسارعة، المليئة بالمشاريع الضخمة غير المدروسة، التي تحولت إلى مصارف للمليارات ومقابر للعمال ودفن لآمال المواطنين، مع استمرار الاعتماد على النفط كمخدر يخفي الأزمة الحقيقية. 

نيوم: الوهم الذي يكلف تريليونات ويحصد أرواحًا:

في قلب هذه الرؤية “الثورية” يقف مشروع نيوم، الذي وُصف بأنه “مدينة المستقبل” بتكلفة 500 مليار دولار.

الخطة كانت مذهلة: مدينة خطية طولها 170 كيلومترًا (ذا لاين) تعمل بالطاقة المتجددة 100%، بدون سيارات، مع روبوتات تخدم السكان. 

اليوم، وبعد سنوات من الإنفاق الهائل، تقلص المشروع إلى جزء صغير جدًا (حوالي 2.4 كم فقط بحلول 2030)، مع تأخيرات هائلة، تجاوزات في التكاليف، وإلغاء عقود بمليارات الدولارات.

تقارير وول ستريت جورنال كشفت أن التكلفة الأولية لمرحلة واحدة وصلت إلى 370 مليار دولار بحلول 2035، والإجمالي قد يصل إلى 8.8 تريليون دولار! مشاريع فرعية مثل سندالة (منتجع فاخر) فتحت ثم أغلقت بسبب مشاكل، وتروجينا (منتجع تزلج) تأجلت وتجاوزت التكاليف. 

النتيجة: إلغاء عقود بـ60 مليار ريال (16 مليار دولار) في السنوات الخمس القادمة، أكثر مما يُنفق على البناء نفسه في بعض الحالات. 

هذا ليس طموحًا، بل تبذير قاتل للدولة والشعب، المشروع يعتمد على جذب مستثمرين أجانب، لكنه فشل فشلاً ذريعًا. 

المديرون التنفيذيون يتصرفون كأنهم في فيلم خيال علمي، مع تقارير عن فساد وإساءة. أما العمال المهاجرون (أكثر من 100 ألف)، فيعيشون في جحيم: وفيات، إصابات، رواتب منقوصة، رسوم توظيف غير قانونية، ومنع من العودة للعائلات. 

تقارير هيومن رايتس ووتش وغيرها تتحدث عن عشرات الآلاف من الوفيات المشتبه بها، وإخلاء قسري لقبائل بأكملها باستخدام القوة المميتة. 

عجز ميزانية، ديون متصاعدة، واعتماد أعمى على النفط:

رغم كل الخطاب عن “التنويع”، يظل النفط الملك المتوج. في 2025، سجلت الميزانية عجزًا بنسبة 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 245 مليار ريال)، ويتوقع استمرار العجز في 2026 بنسبة 3.3% رغم تخفيض الإنفاق. 

الدين العام ارتفع إلى نحو 32% من الناتج المحلي، وهو رقم “مخيف” وينذر بخطورة أكبر مع تقلبات أسعار النفط. 

القطاع غير النفطي ينمو ببطء، ويعتمد بشكل أساسي على الإنفاق الحكومي الضخم والإنشاءات، ولم تظهر بعد صناعات تصديرية تنافسية حقيقية. 

صندوق الاستثمارات العامة يُضخ فيه المليارات لتمويل هذه المشاريع، لكن العوائد ضعيفة، والشفافية مفقودة، حتى الترفيه (مواسم الرياض، الرياضة) أصبح “غسيل سمعة” مكلفًا أكثر من كونه استثمارًا مستدامًا.

جميع مشاكل المركزية الحادة والمخاطر السياسية والاقتصادية والادارية مجتمعة في المشكلة الأعمق وهي: تركز السلطة في يد شخص واحد. "محمد بن سلمان" يقرر المشاريع العملاقة بناءً على رؤيته الشخصية، لا على دراسات جدوى مستقلة. 

النتيجة: مشاريع “ vanity projects” مثل نيوم و”ذا لاين”، التي تذكر بأخطاء الحكام السابقين الذين بنوا قصورًا في الصحراء. 

التركيز على الترفيه والسياحة والرياضة يأتي على حساب: التعليم الحقيقي، البحث العلمي، والإنتاجية المحلية.

الإصلاحات الاجتماعية (مشاركة المرأة، الترفيه) إيجابية جزئيًا، لكنها تأتي مع قمع سياسي شديد، مما ينفر المستثمرين الحقيقيين. 

الاستثمار الأجنبي المباشر تراجع بعد حملات الاعتقالات في فندق ريتز، وحملة سبتمر ومطاردة المغردين وملاحقة الحقوقيين والاصلاحيين في الخارج ومقتل خاشقجي، مع غياب حقيقي وكامل للشفافية في الداخل. 

الاقتصاد أصبح رهينة مزاج ولي العهد: اليوم نيوم، غدًا الرياضة، وبعد غد تقليص كل شيء عندما تنفد الأموال.

الخلاصة: حلم وطني كبير يتحول إلى كابوس مالي وبيئي وإنساني على الدولة والشعب.

رؤية 2030 ليست خطة اقتصادية، بل مغامرة شخصية مدفوعة بالطموح غير الواقعي، حققت بعض التقدم في التنويع السطحي والاجتماعي، لكنها فشلت في بناء اقتصاد مستقل عن النفط. 

المليارات تُحرق في مشاريع تُقلص أو تُلغى، والعمال يموتون، والديون ترتفع، والشعب ينتظر معجزة لا تأتي.

في النهاية، التاريخ سيحكم على هذه السياسات كمثال كلاسيكي على “الطموح الأحمق”: بناء قصور من رمل في صحراء نفطية، بينما يمكن استثمار هذه الأموال في تعليم جيد، صناعات حقيقية، وتنمية مستدامة. 

محمد بن سلمان يراهن على المستقبل، لكن الرهان يبدو أنه خاسر… والفاتورة ستدفعها الأجيال القادمة.