مقالات

من ارتفاع أسعار النفط إلى ضغوط السيولة.. صدمة الاقتصاد السعودي في مرحلة ما بعد الحرب على إيران

الكاتب/ة حسام بن محمد | تاريخ النشر:2026-06-26

في فبراير/شباط 2026، اندلعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وهي أحد أبرز الأحداث الجيوسياسية التي هزت الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. 

أدت الضربات العسكرية إلى إغلاق مضيق هرمز جزئياً أو كلياً لفترات "ولا تزال"!، وهجمات على منشآت نفطية في المنطقة "قد تعود"، مما أثار اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية، رغم أن المملكة العربية السعودية استطاعت امتصاص جزء بسيط من الصدمة بفضل احتياطياتها المالية وبنيتها التحتية الجيدة، إلا أن الاقتصاد السعودي واجه تحديات كبرى وملموسة في: النمو، المالية العامة، الأسواق، والسيولة. 

1. التأثيرات على قطاع النفط والإيرادات
واعتماد المملكة بشكل أساسي على صادرات النفط، التي تمثل نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية. مع إغلاق مضيق هرمز، انخفض الإنتاج النفطي السعودي بنسبة تصل إلى 10% في بعض الفترات، وتراجعت الصادرات الخام. استفادت السعودية من خط الأنابيب إلى ينبع على البحر الأحمر، الذي رفع القدرة التصديرية إلى حوالي 4 ملايين برميل يومياً في مارس/آذار 2026. 

ورغم ارتفاع أسعار النفط العالمية (تجاوز برنت 120 دولاراً للبرميل في بعض الأسابيع)، انخفضت الإيرادات النفطية السعودية بنحو 3% في الربع الأول مقارنة بالعام السابق، بسبب صعوبات الشحن والتأمين واللوجستيات. 

2. العجز المالي والإنفاق الحكومي
سجلت الميزانية السعودية عجزاً كبيراً في الربع الأول من 2026 بلغ 125.7 مليار ريال (حوالي 33.5 مليار دولار)، وهو أكبر عجز ربع سنوي منذ سنوات. جاء ذلك نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 20% لتغطية الاحتياجات الاستراتيجية والعسكرية والدعم الاقتصادي. 

رغم ذلك، تم تمويل العجز من خلال إصدار الديون دون المساس بالاحتياطيات الكبيرة (حوالي 107 مليار دولار). ارتفع الدين العام إلى حوالي 1.67 تريليون ريال، لكنه يبقى عند مستويات خطيرة (نسبة الدين إلى الناتج المحلي حوالي 33%). 

توقعات النمو لعام 2026 تشير إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3%، مع انخفاض أكبر في الربع الثاني. 

3. مشاكل السيولة في القطاع المصرفي والاقتصاد:

السيولة النقدية تشير إلى توافر النقود والأصول السائلة لتلبية الاحتياجات اليومية والاستثمارية،  لكن السيولة في السعودية تأثرت بشكل بالغ جداً بعد الحرب لعدة عوامل:

•  زيادة الإنفاق الحكومي والدعم: أدى الدعم على الغذاء والطاقة والإيجارات إلى ضغط على السيولة الحكومية، رغم الاحتياطيات.

•  تأثير على البنوك: ارتفاع تكاليف التمويل بسبب التوترات، وزيادة الطلب على الائتمان من الشركات المتضررة (خاصة في البتروكيماويات واللوجستيات). مما تسبب في تسجيل أزمة سيولة حادة.

•  القطاع الخاص: تعرضت الشركات غير النفطية لضغوط بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والمصاريف الادارية والداخلية، مما أدى إلى تباطؤ في الدفعات ومشاكل سيولة لدى الكثير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

•  الأسواق المالية: شهدت البورصة السعودية تقلبات، مع انخفاض في بعض القطاعات، لكن صندوق الاستثمارات العامة (PIF) لم يقم بما هو منوط به للعب دور حاسم في دعم الاستقرار.

بسبب جميع ما سبق ظهرت أزمة سيولة مصرفية كبيرة كما حدث في بعض دول الخليج الأخرى، بفضل سوء التنظيم من كبرى المؤسسات المالية للدولة وعلى رأسها مؤسسة النقد (ساما).

4. تعثرت جهود التنويع الاقتصادي وخطة 2030 رغم التحديات، استمرت رؤية 2030 في التركيز على التنويع. زادت الإيرادات غير النفطية نسبياً، خاصة في الترفيه، الرياضة، والسياحة. أدت الحرب إلى إعادة تقييم بعض المشاريع الكبرى (مثل تقليص واغلاق بعض مشاريع نيوم التي أُنفقت عليها مئات المليارات)، مع التركيز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات المحلية. 

5. التوقعات المستقبلية والمخاطر:

•  إيجابيات: ارتفاع أسعار النفط قد يساعد في تضييق العجز إذا استؤنفت الصادرات بشكل كامل. لكن ومن يدري وخاصة مع صعوبة توقع ما سيحدث مستقبلاً.

•  سلبيات: إذا طال أمد الصراع، قد يزداد العجز وتتفاقم مشاكل السيولة، مع تأثير كبير جدا على التضخم (رغم محاولات السيطرة عليه حالياً).

يؤكد الخبراء أن احتياطيات السعودية وصناديق الثروة السيادية تشكل خط دفاع جيد، لكن تعثر الاستمرار في الإصلاحات المالية والتنويع وعدم التصالح مع الشعب وخيرة عقوله المغيبين في السجون يعمق الأزمة ويزيد من خطورة تفجر الوضع. 


الحرب على إيران مثلت صدمة خارجية وداخلية كبيرة على الاقتصاد السعودي، أدى ذلك إلى انكماش كبير وعجز مالي ضخم وزيادة ضغوط السيولة. ومع ذلك يستمر محمد بن سلمان في قرارات اقتصادية تخبطية وغير متزنه لا تتناسب وظروف المرحلة. 

المستقبل يعتمد على سرعة عودة الاستقرار الإقليمي، استمرار التنويع الاقتصادي، والإدارة الحكيمة للمالية العامة، واطلاع الشعب وخيرة رجاله في ما يجري في البلد، فالاقتصاد السعودي يحتاج إلى يقظة مستمرة وإدارة رشيدة أمام كافة التحديات الجيوسياسية في المنطقة والعالم.