تقارير

«تكسرت النصال على النصال».. حين تتبخر بلاغة القصور أمام صدمة الشارع!

تاريخ النشر:2026-11-02

في اللحظات التي تتكشف فيها عورات النظم الاستبدادية، وتتساقط شعارات المجد الزائف، تلجأ ماكينات الدعاية الرسمية إلى التاريخ والأشعار لتعويض عجز الواقع. تتصدر منصات الحسابات الرسمية مقولة الملك سلمان: «إذا أصابتني سهامٌ تكسرت النصالُ على النصال!»، في محاولة بائسة لتصدير صورة "الصلابة" والمنعة المطلقة في وجه التهديدات الخارجية.
لكن المشهد الحقيقي، بعيداً عن أختام الوزارات وبريق التصاميم، ينطق بعكس ذلك تماماً. فأين تذهب تلك "النصال" حين تُقصف مطارات العاصمة ثلاث مرات في أسبوع واحد؟ وحين تُشل 86% من رحلات الطيران وسط غياب تام لأي أنظمة إنذار عامة تحمي أرواح المدنيين والمسافرين؟
أين تتكسر السهام حقاً؟
حين يُطرح الشعار البلاغي، لا يرى المواطن سوى الحقيقة المرة: السهام لا تتكسر على حصون السلطات، بل تتكسر على صدور الناس. العاصمة التي يُفترض أن تكون آمنة، تبدو منكشفة، والدفاعات الجوية تُعاد جدولتها لحماية القصور الملكية ومنشآت الطاقة أولاً، بينما يُترك ركاب المطارات وعمالها في العراء.
وحين تعجز السلطات السعودية عن توفير الحد الأدنى من الطمأنينة والأمان لمواطنيها، وتتوسل الحماية الخارجية بشروطها الصارمة، يخرج علينا الخطاب الرسمي بلغة التحدي، وكأن المعركة تدور في ساحة الشرف لا في غرف الملاجئ المحصنة.
لأن الاستبداد منظومة متكاملة لا تتجزأ، فإن الانكشاف الخارجي يتطابق تماماً مع الاختلال الداخلي. في الوقت الذي تتقاطر فيه المليارات على المؤتمرات والمشاريع الاستعراضية التي تتهاوى مع أول أزمة، يرزح المواطن البسيط تحت وطأة الفقر وتدني الخدمات.
حين يغيب القانون وتغيب آليات المحاسبة الشفافة، تصبح الواسطة والمحسوبية هي الممر الإجباري لأبسط الحقوق، فيما يُترك المواطن الضعيف محاصراً بالخوف والرعب من "البلاغات" الأمنية وملاحقة الأجهزة لمجرد التعبير عن وجعه أو محاولة انتزاع حق مكفول. أين ذهبت "النصال" هنا؟ لقد تحولت لتستقر في صدور المستضعفين وحدهم.
بدلاً من أن تبادر السلطات السعودية إلى تهدئة رعب الشارع وتضميد جراحه المعيشية والنفسية، جاءت الردود الرسمية لتكرس الكارثة: إقرار رفع فواتير الكهرباء والمياه والصرف الصحي مطلع العام القادم، وتقديم "بدل شهري زهيد" لا يغطي سوى نزراً يسيراً من الغلاء، ناهيك عن تشديد لوائح الإخلاء وسحق المستأجرين.
الأزمات تُدار بالصمت، والقرارات تُفرض بأوامر علوية، والكلفة تُمرر دائماً نحو الأسفل لتستقر على كاهل عائلة أرهقتها الضرائب وغلاء المعيشة وحروب لم يُستشر فيها أحد.
خاتمة:
إن الخطابات الحماسية والأشعار القديمة لم تعد تخدش سطح الحقيقة. إن الدول لا تُحفظ بالشعارات، ولا يُصنع أمنها بترك الإخفاقات ورفع الأسعار وملاحقة المواطنين الخائفين. حين تتكسر النصال على كاهل الشعب وحده، فإن السقوط الحقيقي لا يكون في الميدان العسكري فحسب، بل في شرعية الدولة برمتها.
وحده المجتمع الحر، الذي يمتلك مؤسسات منتخبة ومحاسبة حقيقية، هو القادر على حماية نفسه، لا سلطات تختبئ في الملاجئ وتترك مواطنيها في مواجهة العاصفة عُزّلاً إلا من الخوف والخذلان.